المنجي بوسنينة
599
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
لقد تنبه الأدباء والنقاد والمؤرّخون القدامى إلى أنّ أبا تمام قد أحدث جديدا في الشعر العربي . حتّى أسموا هذا الجديد ب « مذهب الطائي » . وقد صنّف في هذا المذهب عديد من كتب الأدب والنقد والموازنة معه أو عليه . الأمر الذي سهل على النقاد المحدثين عمليّة « تنظير » أدب وشعر أبي تمام ، فقالوا إنّ مذهبه يتسم بصفتين رئيستين : إغراقه في البديع إلى حدّ التعسف . وإلحاحه على المعاني الدقيقة في تصوير أفكاره العميقة ، ولجوؤه كثيرا إلى قانوني التضاد والقياس . لقد ساعدت عوامل ذاتية وأخرى موضوعيّة في تشكيل شخصيّة أبي تمام الشعرية والأدبيّة والثقافيّة . فقد كان ، كما قال القدامى ، ذا ذكاء وقّاد وحافظة قويّة ، مكنتاه من استيعاب وحفظ كثير من شعر العرب الجاهليين والإسلاميين ومن تلوهم في العصر الأموي . هذا إلى أنّه وضع لنفسه نهجا تثقيفيا ذاتيا بدأ به منذ سماعه حلقات التعليم في جامع عمرو بمصر . كما لا يجوز إغفال النقلة النوعيّة التاريخيّة في الثقافة العربيّة - الإسلاميّة في أواخر القرن الثاني ، وبداية القرن الثالث . فقد نشأ أبو تمام في زمن « بيت الحكمة » ببغداد حيث برزت حركة للترجمة والتأليف والنشر . ووضعت مصنفات في الطب ، والصيدلة ، والرياضيات ، والهندسة ، والفلسفة ، والمنطق وأصبحت في متناول المثقفين العرب - المسلمين . فأبو تمام ابن بيئته الثقافيّة . وإن عدّه المحدثون « حداثيّا » فهو كذلك لأنّ علوما ومعارف جديدة استحدثت في الثقافة العربيّة . ومن آراء القدامى في أبي تمام ، السلبيّة ، ما قاله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي ( 150 - ح 230 ه ) وهو معاصر لأبي تمام وأكبر منه . قال وقد سمع لأبي تمام : « إن كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل » ، وما ردّده أبو سعيد الضرير أحمد بن أبي خالد البغدادي تلميذ ابن الأعرابي ومعاصر لأبي تمام ، وكان صاحب السؤال الشهير : « يا أبا تمام ، لم لا تقول من الشعر ما يفهم ؟ » فأجابه أبو تمام بجواب حمّل أكثر ممّا يستحقّ على مدى أكثر من ألف سنة : « وأنت يا أبا سعيد ، لم لا تفهم من الشعر ما يقال ؟ » . وكان أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني - ثعلب - ( 200 - 291 ه ) من أشدّ الطاعنين على أبي تمام في البدء ، ثمّ صلح رأيه فيه . وقد أعلن أبو ذكوان القاسم بن إسماعيل ( ق 3 ه ) حيرته : « فإمّا أن يكون هذا الرجل أشعر الناس جميعا ، وإمّا أن يكون الناس جميعا أشعر منه » . وسمع علي بن مهدي الكسوري ( كان حيّا 289 ه / 902 م ) بيتا لأبي تمام فقال : « لعمري إن هذا لفظ سخيف » . وقد ناصب العداء أبا تمام عدد من الشعراء المعاصرين حسدا له ، وخوفا من شهرته . منهم ، دعبل بن علي الخزاعي ( ت . 246 ه ) الذي قال : « لم يكن أبو تمام شاعرا ، وإنّما كان خطيبا ، وشعره بالكلام أشبه منه بالشعر » . وقال : « ثلث شعره سرقة وثلثه غث وثلثه صالح » . والشاعر عبد الصمد بن المعذل البصري ( ت 240 ه ) الذي ما إن سمع بتوجّه أبي تمام إلى البصرة حتّى أرسل إليه هجاء مريرا ، امتنع معه من دخول البصرة . أمّا الآراء الإيجابيّة ، فقول محمد بن عبد الملك الزيات ( ت 233 ه ) الوزير والأديب